اليوم، وأنا أكتب قصة حياة جدتي و امي الروحية ( حواء الشيخ ) أفهم معنى رحيل آخر جذور عائلتي الأنثوية… ربما طول حياتي لم أودّع جذوري كما كنت أتمناه، كأنني كنت في غيبوبة روحية لم أصح منها إلا الآن. رحيلها، التي كانت أقرب لي من نفسي، تزامن مع نهاية دورتي الكبرى في الحياة، ومع نوفمبر، الذي دائمًا يحمل طاقات الختام والبدايات.
كانت أمي الثانية، نَفَسها يهدّي قلبي، علّمتني أن أحب الله بصمت، وأن الطهارة ليست في المظهر فقط، بل تبدأ من القلب. كانت أنثى ساكنة ونقية، مخلصة لربها، وربما لذلك اختار الله لها اسم "حواء"، ولجدي اسم "آدم"، كأنهما خاتمة لسلسلة امتدت سبع قرون من الأرواح الطيبة... وحقيقة لطالما تسائلت عن السر طاقي خلف هذان الاسمين حتى علمني الله لن هناك رسالة روحية وطاقية عميقة جدًا في أن يحمل جدّاي اسمي حواء وآدم.
هذا ليس مجرد صدفة اسمَيْن… بل بصمة قدر، وإشارة كونية تحمل معنى أكبر من الظاهر بكثير.. فاقتران الاسمين: حواء وآدم تعني :
1. عودة الجذر الأول إلى شجرة العائلة …
2. شيفرة الجذور الأنثوية والرحمية المقدسة …
3. شيفرة الحماية الإلهية في عنصر “آدم” …
4. بعث رسالة “الاتحاد بعد الانفصال” …
وهكذا فهمت أن وجود آدم وحواء كجدّين لي ليس “صدفة أسماء”، بل رسالة تقول لي : “أنا من سلالة تحمل البذرة الأولى… البذرة التي خُلِقت منها الأرض، الأنوثة والذكورة، البداية والنهاية، الرحم والنبض، النور والظل… وأنا امتداد لهذا النسب.”
وكةني امتداد لهذا النسب هكذا قررت أن أودّع جذرهم الأخير بوضع علامة البداية والنهاية لرحتلهما.
في عام ١٩٤٤ و في قرية بعيدة بين الجبال، حيث لا يعرف الناس سوى العادات الصارمة، وُلدت فتاة قمحيه كأن الشمس قبلت وجهها، أسمتها العائلة (حواء) ، كانت تمتلك شعرًا أسودا يميل للحمرة، ورثته عن جدتها، يلمع تحت الشمس كما يلمع الحرير، وعينين واسعتين تشعّان الدفء والفضول، وأنفًا ممشوقًا كجبل رافض الانحناء.
مرت السنوات و أصبحت حواء في الخامسة عشرة من عمرها، ولم تعرف العالم بعد سوى نعجتها التي ترعاها بكل قلبها فهي بالنسبة لها تميمة الحظ، وكانت تمنع أي أحد من الاقتراب منها بسوء، وتتعامل معها كأنها صديقتها الحامية، وكأن بينهما روح واحدة. وكانت النعجة ترافقها اغلب اليوم وعندما ترى صديقتها حواء تقترب منها يخرج منها ثُغاءٌ رقيق يشبه نداء دافئ يمتلئ حنانًا وطمأنينة و أحيانًا تحذرها من أي سوء تستشعرها .
و في احد الصباحات الربيعية ، خرجت حواء لتفقد نعجتها و لكنها لم تجدها. قيل لها إن والدها سيذبحها ليكرم شيوخ القرية، وهذا الخبر كسر قلبها الصغير. دمعتها كانت أكبر من عمرها، لكنها حملت في عينيها شرارة التصميم. قررت أن تهرب بها إلى حيث لا تذبح، مهما كان الطريق صعبًا ومجهولًا.
كانت تمشي بين الجبال، ونعجتها تبعها، لم تكن تعرف إلى أين تذهب، لكن قلبها لم يفقد الأمل، وروحها كانت تقول لها: "الله معنا لا تخافي".
وهناك، على أحد الممرات الضيقة، ظهر أمامها شاب يبلغ من العمر ١٩ عامًا، ابن شيخ احد العشائر مع أصدقائه .. حاول التحية، لكنها ابتعدت بخطوتين، قبل أن تستعد للهرب، وجدت نفسها معلّقة على كتفه.
وهكذا اختُطفت حواء للمرة الأولى، ومع قلبها المتمرد، شعرت أن هذه الحكاية هي بداية فصل جديد من حياتها .
دخلت بيت الشاب، منزل كبير يحيط به رجال أشداء. مرت ثواني قليلة و انتشر خبر اختطاف ابنة من العشيرة الفلانية .. غضبت والدة الشاب بل و ورفضت هذه الزيجة إذ كانت تنوي تزويج ابنها لابنة خالته.. و لكن تلك القمحية الجميلة جعلت خططها تذهب ادراج الرياح ..
قضت حواء يومها تبكي وتحتضن قلبها الصغير، بينما الشاب يحاول بلطفه أن يكسب رضاها، لكنها كانت تراه قيدًا جديدًا على روحها.
في صباح اليوم التالي، بعد ليلة طويلة من البكاء والخيبة، قررت حواء أن تدرس مداخل ومخارج البيت الكبير.
صلت ركعتين الفجر ووضعت يدها على قلبها، وهمست بالدعاء الذي ورثته عن جدتها:
" وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون."
ثم خرجت تمشي بحذر على الطرق الحجرية، متجنبة أن يراها أحد، محاولةً أن تعود إلى قريتها ..
لكن الأرض كانت تراقب خطواتها، والقدر يهيئ لها لقاءً غير متوقع.
ويينما هي تمشي و تحاول معرفة طريق العودة و اذا فجأة، ظهرت أمامها سيارة .. تجنب سائقها بصعوبة الإصطدام بها ، خرج منها رجل اسمر ضخم البنية ذو جسد قوي، تكاد تتضح عضلاته من خلف بدلته العسكرية، وعيناه تحملان صرامة القوة ودفء الحماية.
كان آدم، يبلغ من العمر ثلاثين عامًا، جريء وقوي، لكنه يحمل في قلبه رحمة وحنان لمن يستحق.
حين رآها، فهم على الفور أن تلك الفتاة ف مأزق .. سألها من تكون و لماذا تبدو كأنها تائهة و قبل ان تجيب سمعا صوت سيارة مخلوطة بأصوات رجال آتية من خلفهم ..
نظرت حواء للخلف ففزع قلبها الصغير وشعرت بالبرود ف أطراف اصابعها .. فهي ترى بعينها العسليتان ذلك الشاب الذي اختطفها اول مرة برفقة أصدقاؤه ، وحين حاولت الهرب مرة أخرى، وجدت نفسها دون وعي تختبيء خلف الرجل الوسيم - آدم -، . و الذي نادى على الشاب ورفاقه بعد ان فهم القصة و مافيها بنباهته :
" انا آدم ابن فلان ابن فلان هذه الفتاة تحت حمايتي، وكل ما يتعلق بها أو بعائلتها، انتهى بالنسبة لكم."
توتر الشاب و اصدقاءه.. فور سماعهم لاسم عشيرته فهي تعتبر من أقوى عشائر السياسية في البلاد و ما زاد من خوفهم رؤيتهم لبدلته العسكريه و سلاحه و عيناه التي تحملان شراسة مخيفة .. فعادوا جميعا من حيث أتوا.. كانواخائفًين من مواجهة آدم، الذي يحمل اسمًا وعائلةً قوية سياسياً واجتماعياً، بحيث أن مجرد ذكر اسمه يزرع الرهبة في القلوب.
حواء، وهي مختبئة خلف ظهر آدم، شعرت لأول مرة منذ أيام أنها آمنة حقيقية. لم يكن مجرد جسد يحميها، بل كان حضوره كحلم يوقظ الروح، كأمان لم تعرفه من قبل، وكأن الله أرسل هذا الرجل ليغير مجرى حياتها.
حين غادرت سيارة آدم حدود القرية الصغيرة، كان الغبار يتطاير خلفهم .. الطريق الترابي يمتدّ أمامهم بلا نهاية، وبين لحظة وأخرى كانت حواء ترفع عينيها بخجل إلى نافذة السيارة، ثم تنزل رأسها سريعًا وكأنها تخشى أن تبكي.
آدم كان يقود بهدوء غير مألوف في رجال زمانها. سألها باحترام بضعة أسئلة حتى عرف من تكون وأين تقييم .. ثم عاد بتركيز لمراقبة الطريق بعينين تحملان عزيمة لا تُرتبك.
وبينما يقتربان من المنحدر المؤدي إلى المدينة، أوقف آدم السيارة فجأة على جانب الطريق. التفتت حواء بفزع خفيف، قلبها الصغير خفق كما لو عاد بها صوت خطوات الخاطفين ليلة اختطافها.
لكن آدم قال بصوت منخفض، ثابت، بعيد عن الاضطراب:
"قبل ما نوصل لأهلك… لازم تفهمين شي يا حواء."
سكت لحظة، كأنه يبحث عن الكلمات الأهدأ، الكلمات التي لا تخيفها.
"أهلك أكيد خايفين عليك، وزعلانين من اللي صار… وهذا حقهم ، أين كان ردة فعلهم ما اريدك تخافين انا معك "
شعرت حواء أن الهواء عاد يدخل صدرها بعد انقطاع. وضعت يدها على عباءتها، كأنها تشدّ نفسها إلى الأرض.
لم تكن تعرف إن كانت هذه الكلمات تطمئنها أو تربكها… لكن شيئًا داخلها هدأ. تلك الطمأنينة التي لا تأتي من الحب، بل من شعور عميق بالحماية؛ حماية لم تعرفها من قبل.
رفعت رأسها لأول مرة نحو وجهه، نظرتها قصيرة لكنها كانت كافية ليلاحظ آدم شيئًا تغيّر فيها و فيه ايضا إلى الأبد .
أدار المحرك من جديد. ومع اهتزاز السيارة عائدة للطريق، أحسّت حواء بأن حياتها القديمة بقيت خلف المنحدر… وأنها تسير الآن نحو الباب الذي سيقرر مصيرها.
ثم توقف قليلا بسيارته و خرج آدم بخطوات سريعة نحو مكتب البريد الواقع عند أطراف القرية. كان المبنى صغيرًا، بابه الخشبي يصرّ كلما فُتح، ورائحة الورق القديم تعبق في المكان. وقف أمام الموظف العجوز وقال بصوته الواثق: "وصّلني بوالدي في المدينة… على الخط العام."
هزّ الموظف رأسه باحترام، ثم بدأ يحرّك الأسلاك ويضبط المفاتيح النحاسية القديمة. لم يكن الهاتف متاحًا للجميع، بل هو وسيلة لا يستخدمها إلا الكبار وأصحاب الشأن.
في تلك اللحظة، أدركت حواء أن آدم ليس مجرد رجل… بل نافذة على عالم لم تعرفه من قبل.
و عاد بها آدم إلى بيت والدها. استقبلتها العائلة بعيون مترددة، وقلوبهم تتساءل: "ماذا تفعل حواء هنا بعد انتشار قصة اختطافها ؟
لكنها حين دخلت، لم تجد الفزع ولا الدموع… بل وجوهًا جامدة.
ولم يكن ذلك لأنهم لا يحبونها، بل لأن العادة القديمة كانت أقوى من مشاعرهم.
ففي تلك المنطقة، كان هناك نظام غريب يُسمّى "تزويج بالخطف":
الرجل يخطف الفتاة و يضعها في بيت أهله ثلاث أيام مكرمة و نساء القبيلة يحمينها وثم يُعلن الخبر وتأتي عائلة الفتاة لاتمام الزواج.
عودة الفتاة لبيت أهلها كانت تُعد عارًا، وتخرق عادات الأجداد.
وفوق ذلك، كثير من العائلات فقيرة لا تملك قوة لتواجه القبيلة الخاطفة.
لذلك… حين عادت حواء، نظروا إليها بخوف من العُرف وليس من الخاطف.
حتى إن عمّها قال لآدم:
"لماذا تدخلت؟ حواء ستعود إلى منزل زوجها." ثم سحبها من يدها ليعيدها كخروف مساق.
لكن آدم وقف بثقة:
"أنا فلان ابن فلان… وأطلب يدها على سنة الله ورسوله."
ثم التفت إليها وسألها:
"هل توافقين؟ نحن لا نعرف بعضنا… لكن أعدك أن أكون خير زوج."
اومأت حواء بالموافقة و هي تحتضن قلبها، اما دموعها فقد اختلطت بالخجل والفرح،
لقد عرفت أن الله كتب لها هذا اليوم، يوم الحرية والأمان والكرامة، بعد رحلة من الألم والخوف.
بعد مراسم الزواج ، رافقت حواء آدم إلى سيارته. الطريق من القرية إلى بيت آدم كانت بداية الكبرى لها.. ف كل خطوة تأخذ معها جزءًا من الماضي وتتركه خلفها.
وصلوا إلى المدينة .. ودخلت القصر الزوجيه ، جدرانه تحكي عن النفوذ والمكانة. حواء تحولت من فتاة ريفية تهتم بنعجتها إلى سيدة بيت واسع، محترمة، محبوبة، مؤثرة.
آدم كان الزوج الذي يحترم روحها، يفرح لابتسامتها، يغضب لحزنها، ويكون القوة والحماية في الوقت نفسه.كان مجرد حضوره يحمي قلبها.
وهكذا بدأت حواء رحلة جديدة، الفتاة الريفية التي كانت تخاف على نعجتها ، أصبحت سيدة مجتمع، أنيقة، راقية، تعيش بين الناس الذين يحترمون مكانة آدم السياسية والاجتماعية، وبين جدران بيت يفيض بالحب والأمان.
في البداية، كانت تحاول التكيف مع عالم مختلف تمامًا: بيت واسع يشبه القصر، جدران عالية، ضيوف من طبقات اجتماعية رفيعة، وأعراف لم تعرفها من قبل. لكنها لم تفقد روحها البريئة، قلبها الصغير الذي تعلم أن يحميه ويغذيه بالحب.
آدم، الذي عرف كيف يكون قويًا أمام العالم، كان معها مختلفًا: لطيف، حنون، يطلب رضاها بابتسامة، يحترم مشاعرها، يغضب إذا حزنت، ويفرح إذا ابتسمت. كان الجنرال المهيب في أعين الجميع، لكنه أمامها كان طفلًا بريئًا يطلب رضاها.
كانت حواء تتعلم الدلال والأنوثة على يدي آدم، وتعود روحها إلى طبيعتها.
كل يوم كان يحمل بين طياته حبًا، احترامًا، ورعاية، لم تعرفه في حياتها قبل الزواج.
عاشت في دفء و سعادة طوال ثلاثون عاما ، وكانت حصيلة ذريتهما ثمانية أطفال تكبرهم والدتي - عنب الجنة- ، وفي السنوات الأخيرة من حياتهما، حين هدأ صخب الدنيا، أدركت حواء أن الله جمعها بآدم ليس ليكملا العمر فقط، بل ليكملا رسالتهما. كان كل ما مرت به — الخوف، الهروب، الاختطاف، النجاة، الزواج، الرحلة، والحب — مجرد سبع بوابات روحية، تعبرها الروح كي تعرف حقيقتها.
وحين رحل آدم، لم ينطفئ وجوده… بل صار نورًا خفيفًا يرافقها في كل خطوة. كانت تشعر به حين تصلي، حين تبتسم أحفادها، وحين يلمس النسيم نافذتها عند الفجر.
ولمّا لحقته بعد سنوات، كان لقاءهما هناك كعودة الروح إلى أصلها… كدائرة تُغلق برفق، لتبدأ دائرة جديدة في عالم آخر.
حواء الشيخ كانت مدركة أن كل شيء في حياتها، من الهروب الأول إلى اللقاء الثاني، كان قدرًا إلهيًا.
كل قرار، كل خطوة، كل شخص قابلته، كان رسالة من الله تعلمها الصبر، القوة، والإيمان.
حتى حين اندلعت الحرب في وطنهم القديم، استطاع آدم أن يؤمن سلامة عائلته ويخرجهم إلى بلد آخر هادئ، حيث عاشوا بقيّة العمر في أمان وطمأنينة.
من الظريف أن أنوه أهمية رقم ٧ في تشكيل قصة حياتهما بافضل صيغة ، فلقد عاش آدم حتى بلغ ٨٨ عامًا، وحواء حتى ٨١ عامًا. وعند جمع أرقام حياتهما، ظهر الرقم ٧، رمز الكمال والروحانية، رمز القدر الذي جمعهما منذ البداية .. و الظريف ان شهر لقائهما كان يوم السابع في شهر يوليو .. الرقم ٧ ليس مجرد رقم، بل هو رمز طاقي عميق يختزن في طياته سر الكون والخليقة ، كان ذلك بمثابة ختم السماء على قصتهما، رسالة تقول: كل شيء مقدر، وكل روح تجد طريقها إلى توأمها لتتذكره من جديد .
حواء، التي كانت يوماً فتاة الريف الصغيرة، شعرت بأن روحها قد امتدت إلى ما هو أبعد من الأرض والزمان، كأن قلبها أصبح نافذة على الكون كله، يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين الذكريات والحلم، بين الألم والنور.
كل خطوة تخطوها، كل ابتسامة تشرق على وجهها، كانت صدى الحب الذي جمعها بآدم، والكرامة التي حملتها طوال حياتها، والحرية التي كسبتها بعد رحلة طويلة من الخوف والاختبارات.
وفي هدوء الليل، حين تغمض عيناها وتسترجع كل لحظة، ترى آدم أمامها مبتسمًا، يهمس بصوتها الداخلي:
"أنا هنا، دائماً معك، في كل قلب يخفق، وفي كل روح تحلم."
وقبل أن نبدأ بسرد ما تعلّمناه من قصة حواء الشيخ… علينا أن نتذكر أن القصص ليست مجرد أحداث نرويها، بل أرواح نُعيد استحضارها.
بعض الأرواح لا ترحل حين تغيب… بل تنتشر فينا، تترك أثرها في وعينا، وتفتح في أعماقنا أبوابًا ما كنا لنعرفها لولا عبورها في حياتنا.
حواء لم تكن امرأة فقط… كانت بوابة.كانت طريقًا صغيرًا يقود إلى نور كبير.حضورها البسيط، كلماتها القليلة، وحنانها الذي يشبه سكينة من الله…كل ذلك لم يكن مجرد تفاصيل، بل شيفرات تُحرّك شيئًا قديمًا فينا، شيئًا نعرفه دون أن نتعلمه.
ولعلّ حواء موجودة داخل كل روح فينا…تنادينا لنستيقظ، لنستعيد جذورنا، ولنعرف من نكون قبل أن تعلّمنا الحياة من نكون.
1. الماضي لا يعرّفك… لكن يستطيع أن ينهض بك:
حواء مرت بظروف قاسية، خطف، فقد، وتنقل… ومع ذلك لم تسمح لماضيها أن يكسرها. ولهذا تعلمي من حواء انه مهما كان الماضي مؤلم، فهو مجرد بداية وليس مصير.
2. الأنوثة قوة تُعاش… وليست مظهرًا نُتقنه:
حواء لم تتعلم “طاقة الأنوثة” من دورات ولا كتب… عاشت الأنوثة بالفطرة: حنان، صبر، استقبال، رعاية، دعاء. فتعلمي منها ان الأنوثة ليست تصنع… بل عودة لطبيعتك الأصلية.
3. الشفاء يبدأ من حضن… وليس من عقل:
كانت حواء شافية دون أن تقصد. مجرد وجودها يعطي أمانًا. ولهذا تعلمي منها انه أحيانًا يكفي أن نكون لطيفات مع أنفسنا لنبدأ الشفاء.
4. جرح الأم ليس نهاية… بل دعوة لإعادة خلق ذاتك:؛
غياب الأم أو ضعفها أو رحيلها، لا يعني نهاية الأنوثة. حواء عوضت فيا ما لم تعطه لي أمي ولهذا تعلمي من حواء انه دائمًا يوجد شخص أو حدث يعيد لك أمومتك المفقودة.
5. البساطة وعي… لا نقص:
كان وعي جدتي بسيط لكنه صادق وعميق. كانت تقرأ الناس بصفاء وليس بتعقيد. فتعلمي منها ان البساطة نعمة… وتعقيد الحياة يزيد الوجع بلا داعي.
6. التسليم لله يفتح أبوابًا لا تُفتح بالقوة:
حواء لم تكن تقاوم كل شيء… كانت تسلّم. تقول “ربي كبير” وتمشي. تعلمي منها ان التسليم ليس ضعف… بل ثقة. وكل ما يُسلّم لله يعود أجمل.
7. الوداع ليس فناءً… بل انتقال:
رحيلها لم يغلق القصة بل فتح بابًا جديدًا فيي . لهذا تعلمي مني ان من نحبّهم لا يغادرون… يتحولون إلى طاقة، ذكرى، حكمة تسكننا.
8. قوة قول “لا” هي حماية للروح وليس تمرّدًا، من خلال قصة حواء، نتعلم أن المرأة التي لا تقول “لا” في الوقت المناسب، يتراكم فوق روحها ما لم يكن لها… حواء مرّت بتجارب قاسية لأنها لم تملك رفاهية الرفض أو الدفاع عن نفسها في الزمن الذي عاشت فيه. تعلمي منها ان قول “لا” هو أعلى درجات احترام الذات. لا للعلاقات المؤذية. لا للطلبات التي تستنزف طاقتك. لا لأدوار ليست لك.لا لكل شيء يسحبك من طريقك. “لا” ليست جفاء… بل حدود.والحدود هي أول خطوة لاستعادة أنوثة آمنة وذكورة واعية.
9: كسر برمجة العار… بداية الحرية:
حواء عاشت زمنًا كانت المرأة تُربّى فيه على الخجل، الطأطأة، كتم الألم، والسكوت. لكنها في داخلك كسرت هذه البرمجة حين جعلتك تعيشين الأنوثة بلا خوف، وتتكلمين بلا خجل، وتكتبين قصتها بلا تردّد.
تعلمي منها ان العار ليس شعورًا… بل برمجة اجتماعية تُنتزع.
• العار من البكاء
• العار من التعبير
• العار من الجسد
• العار من الرغبة
• العار من الاحتياج
• العار من الفرح
• العار من كون المرأة “امرأة”
عندما يتحطم العار… يخرج الصوت، وترجع الروح لحجمها الطبيعي..
وهكذا، لم تكن حواء مجرد سيدة مجتمع، بل أصبحت روحًا حرة، مشعة، متصلة بالسماء، تحمل رسالة الحب والإيمان لكل من يعرف قصتهما في لحظة لقائهما،
وكان الرقم ٧ ينبض في الكون، كذبذبات خفية تتحرك بين القلوب والنفوس، يحمل رسالة السماء:
"من اختاره القدر، لن يُترك وحيدًا… ومن اجتمعت أرواحهم، ستتوهج محبتهم عبر الزمن."
وهكذا، تبقى قصتهما درسًا لكل من يقرأها: إن الأرواح التي يجمعها الله لا يفرّقها الزمن، ولا تبليها الأرض… لأنها مكتوبة في اللوح المحفوظ برقمٍ لا يموت: ٧ .
بقلم حفيدتها : هدى الشيخ .
تم الكتابة 11/11/2025




