تبدأ الحكاية من نقطة الصفر، من ذلك الفراغ الذي نراه "لاشيء" بينما هو في حقيقته "كل شيء". في فيزياء الكم، يُخبرنا العلماء أن الواقع الذي نلمسه بأيدينا ليس صلباً كما يبدو، بل هو عبارة عن ذبذبات وطاقة متموجة، حيث تكتشفين أن كل هدف تسعين إليه، وكل حالة شفاء تنشدينها، موجودة الآن في هذا الفراغ كـ "دالة موجية" تحتوي على احتمالات لا حصر لها.
الرحلتنا اليوم من الحقيقة المذهلة التي غيرت وجه العلم للأبد وهي - أن كل ما نراه حولنا من جبال وبحار وحتى أجسادنا، ليس في جوهره سوى فراغ ممتد تتراقص فيه جسيمات متناهية الصغر، هذه الجسيمات لا تتصرف وفقاً قوانين المنطق التي نعرفها، بل تتبع لغة الاحتمالات اللانهائية-
في مختبرات فيزياء الكم، اكتشف العلماء أن الإلكترون لا يسكن مكاناً ثابتاً إلا عندما نقوم بـ "رصده"؛ وقبل عملية الرصد، يكون الإلكترون عبارة عن "دالة موجية" منتشرة في الكون كله، موجوداً في كل مكان وفي لا مكان في آن واحد، وهي الحالة التي تُسمى التراكب الكمي.
وهذا يعني في عمق فلسفة تجلي أهدافكِ : أن كل حلم تسعين إليه، أو شفاء تنشدينه، ليس شيئاً غائباً بانتظار أن يُخلق، بل هو احتمال قائم وموجود بالفعل في الحقل الكمي، ينتظر فقط "المراقب" الصحيح ليخرجه من حالة الموجة غير المرئية إلى حالة المادة الملموسة.
فبمجرد أن يوجه الوعي البشري انتباهه نحو احتمال معين، تنهار كل الاحتمالات الأخرى وتتجمع الطاقة لتشكل واقعاً واحداً، وهنا تكمن القوة المذهلة لوعيكِ؛ فأنتِ لستِ مجرد عابرة سبيل، بل أنتِ أداة القياس الكونية التي تحدد أي نسخة من الواقع ستتجسد أمام عينيكِ.
ولكن، لماذا يبدو أن الواقع يتصلب أحياناً ويعاند رغباتنا؟ هنا ندخل في صلب المعضلة التي يعالجها الطب النفسي وفيزياء الكم معاً، وهي ما يُعرف بـ "تأثير زينو الكمي"، تخيلي جسيماً يحاول الانتقال من حالة إلى حالة؛ وجد العلماء أنه إذا استمر المراقب في التحديق بهذا الجسيم بتركيز عالٍ وقلق، فإنه يمنعه من التغير، ويجبره على البقاء متجمداً في حالته الحالية.
في حياتكِ اليومية، هذا هو بالضبط ما يحدث عندما تراقبين أهدافكِ بعين الاحتياج والخوف؛ فعندما تتساءلين في كل دقيقة "لماذا لم يتحقق الهدف بعد؟" أو "متى سيحدث الشفاء؟"، فأنتِ تمارسين رصداً فيزيائياً يُثبّت حالة النقص، حيث ترصدين غياب الهدف، وبما أن القاعدة تقول إن الواقع يتبع المراقب، فإن الحقل الكمي يستجيب لرصدكِ هذا ويستمر في تقديم الغياب لكِ كواقع مستمر.
وعليه فإن السهولة في التجلي تبدأ عندما تتعلمين فن إطلاق النية، أي أن تضعي هدفكِ في الحقل الكمي ثم ترفعي رصدكِ القلق عنه تماماً متزامنا مع سعيك باتجاهه بطاقة المتعة و بروح حرة .. هذه المساحة من عدم المراقبة هي التي تسمح للدالة الموجية بأن تتحرك وتتطور حتى تصل إلى مرحلة التجسد المادي، فلكي تحصلي على الشيء، يجب أن تتوقفي عن مراقبة عدم وجوده و تستمتعي بسعيك الحالي فقط .
هذا الانفصال الواعي عن النتيجة هو تفعيل لأعظم روابط الكون وهو التشابك الكمي، الذي يثبت أن الجسيمات التي اشتبكت طاقياً تظل مرتبطة للأبد مهما بلغت المسافات بينها ، رغبتكِ يا جميلة الروح هي الدليل على أنكِ مشتبكة بالفعل مع الهدف، فالنية التي وُلِدت في عقلكِ هي صدى لنسخة منكِ موجودة بالفعل في حقل الاحتمالات وقد حققت ما تريدين، والتجلي ليس رحلة من هنا إلى هناك، بل هو عملية مزامنة لتردداتكِ مع تلك النسخة.
وهنا يبرز دور التناغم بين العقل والقلب؛ فالعقل يرسل الإشارة الكهربائية عبر الفكرة، والقلب يرسل الشحنة المغناطيسية عبر المشاعر الإيجابية العميقة، مع تنويه ان الحقل الكمي لا يستجيب لما تقولينه، بل لما تبثينه كطاقة. فعندما تشعرين بالامتنان والبهجة وكأن الهدف قد تحقق الآن، فأنتِ تبثين توقيعاً كهرومغناطيسياً يطابق تردد الهدف، مما يحول طاقتكِ من ضوء مشتت إلى شعور مركز يمتلك القدرة على اختراق جدران المادة وتحويل الاحتمال إلى واقع صلب في وقت قياسي.
ولكي تكتمل هذه القوة، يجب أن نتحرر من سجن الزمن الخطائي والجهد الشاق؛ ففي عالم الذرة، توجد القفزة الكمية، حيث ينتقل الإلكترون من مدار طاقة منخفض إلى مدار أعلى فوراً دون المرور بالمساحة بينهما. هذا يخبرنا طبياً ونفسياً أن التحول والشفاء يمكن أن يحدثا في لحظة وعي واحدة؛ فعندما تقررين أنكِ لستِ تلك النسخة القديمة وتبدئين برصد نفسكِ كشخص سليم وناجح، فأنتِ تقومين بقفزة كمية بوعيكِ. وما يعزز هذه القفزة هو استخدام الممحاة الكمية، التي تثبت أن رصدنا في الحاضر يمكن أن يغير أثر الماضي؛ فصدماتكِ وإخفاقاتكِ ليست قدراً محتوماً يعيق مستقبلكِ إلا إذا استمررتِ في رصدها وتعريف نفسكِ من خلالها، وبمجرد أن تغيري رصدكِ للماضي وتعتبرينه مادة خام للحكمة والنمو، فإنكِ تمسحين أثره المعيق من مسار احتمالاتكِ القادمة، فالماضي مائع في عالم الكم، وأنتِ من يملك القلم لرسمه من جديد في كل لحظة تمر بكِ.
هذه الميوعة تتطلب منكِ قبول مبدأ عدم اليقين، وهو المبدأ الذي يثبت أننا لا نستطيع التحكم في كل التفاصيل بدقة تامة؛ فمحاولة تحديد كيف ومتى سيتحقق الهدف هي أكبر عائق للتجلي، لأنكِ بذلك تحصرين ذكاء الكون اللانهائي في طريق ضيق يراه عقلكِ المحدود.
الاستسلام لعدم اليقين هو أن تعشقي الغموض الجميل، وأن تثقي بأن الحقل الكمي يمتلك طرقاً مختصرة ومعجزات لا تخطر على بال بشر، فعندما تتوقفين عن محاولة نحت الواقع بجهدكِ وتوتركِ، وتبدئين في جريان التقبل، تفتحين الأبواب لسريان الكون لكي تتدفق من خلالكِ.
والسكينة الحقيقية تكمن في الفراغ الكمي؛ ففي لحظات التأمل والسكون وتوقف الأفكار، تدخلين إلى نقطة الصفر، حيث تتلاشى كل المعيقات وتتصلين بالمصدر مباشرة (الله) ، ومن هذا السكون يولد الخلق، ومن هذا الفراغ يتجلى الامتلاء.
ولكي تحافظي على هذا الزخم، كوني قناصة للمعجزات الصغيرة عبر ملاحظة الإشارات التي يرسلها الله باستمرار، فما يسميه البعض صدفة هو في الحقيقة تزامن كمي ناتج عن نيتكِ المشتبكة مع الهدف.
عندما ترصدين هذه الإشارات بامتنان ودهشة، فأنتِ تقوين الرابط وتخبرين الحقل الكمي بأنكِ في حالة استقبال كاملة، وهذا الرصد الإيجابي هو الذي يحول الرفرفة البسيطة في وعيكِ إلى إعصار من التجلي المادي. و تذكري دائماً أنكِ المراقب الخفي الذي يسكن خلف الأفكار والمشاعر، وأنتِ الوعي النقي الذي لا يتأثر بالظروف، بل هو الذي يشكلها ويعطيها معناها وشكلها. عندما تستقرين في مقام هذا المراقب، تدركين أن الشفاء والتجلي ليسا أحداثاً تنتظرين وقوعها، بل هما حالتان وجوديتان تختارين سكناهما في كل لحظة، فأنتِ مهندسة واقعكِ، وعالمكِ ليس سوى مرآة تعكس النظرة التي تنظرين بها لنفسكِ وللكون كله.
إن الواقع يرقص حين تتوقفين عن محاولة قيادته بالقوة، ويبدأ في التجسد حين تبتسمين له بثقة المراقب الذي يعرف أن التجربة قد نجحت بالفعل قبل أن تبدأ ملامحها بالظهور. عيشي دهشة العلم وحكمة الروح، واتركي لجسيماتكِ المائعة رفاهية التجسد في أجمل صورها، واعلمي أن كل فكرة تطلقينها بحب، وكل شعور تبثينه بيقين، هو حجر أساس في بناء واقعكِ الجديد الذي يستحقكِ وتستحقينه. بمروركِ عبر هذا المانيفستو، تكونين قد أعدتِ ضبط جهاز الرصد الخاص بكِ، ولم يعد ممكناً للواقع أن يظل كما كان، لأن المُراقب قد تغير، وبالتبعية، فإن المُراقب (بفتح الراء) قد بدأ بالفعل في التحول ليلائم هذا الوعي الجديد.
ولختام هذه الرحلة المعرفية، لا بد أن نربط بين فيزياء الاحتمالات وبين "المُسبب الأول" لكل هذه الجسيمات. في منظور هندسة الواقع، لنأخذ مثابا بسيطا كهدف مشهور بيننا وهو ( المال ) ف المال ليس ورقة أو رقماً في حساب، بل هو "طاقة وفرة" مائعة وخاضعة لقوانين الرصد واليقين.
عندما نتأمل طريقة إدارة الله للكون، نجد أنه قائم على "الغيب" و"الشهادة". الغيب في الفيزياء هو (حقل الاحتمالات الكمي)، والشهادة هي (الواقع الذي نرصده). الله يدير هذا الكون بفيض لا ينقطع، لكنه جعل "رصدكِ" لرزقكِ هو المفتاح؛ فإذا رصدتِ الرزق من باب "الحاجة والفقر"، تجمدت الاحتمالات على حالها. أما إذا رصدتِه من باب "الغنى بالله"، انفتحت لكِ أبواب التجسد المادي.
ولعل أجمل آية قرآنية تجمع بين فيزياء الاحتمالات (الوسع)، التوقيع الكهرومغناطيسي (النية والقلب)، وعدم المراقبة المذعورة (الثقة)، هي قوله تعالى:
"الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (سورة البقرة: 268)
الشيطان يعدكم الفقر: هذا هو "الرصد السلبي" أو "تأثير زينو" الذي ذكرنا سابقا في درسنا اليوم فهو أن الشيطان يجعلكِ تلاحقين "النقص" وتراقبين "العدم"، مما يُجمد واقعكِ في حالة الفقر.
والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً: هذا هو "حقل الاحتمالات اللانهائية". كلمة "واسع" في الآية هي التعبير القرآني الأدق عن (Quantum Field)؛ الحقل الذي لا يحده زمان ولا مكان، والذي يحتوي على كل الفضل والمال والشفاء.
والله واسع عليم: "عليم" هنا تعني أن الحقل الكمي الكوني يستجيب لوعيكِ (علمكِ ويقينكِ). الله يدير المال في الكون عبر قانون "السعة"؛ فبمجرد أن يتسع وعيكِ وتتوقفي عن رصد "الفقر" الذي يعدكِ به الشيطان، يبدأ "فضل الله" بالانهيار من حالة الغيب (الموجة) إلى حالة الشهادة (المادة) في حياتكِ.
إدارة الله للمال في الكون لا تقوم على "المطاردة"، بل على "الاستحقاق واليقين". الله لا يعطيكِ ما تطلبينه بلسانكِ وأنتِ خائفة، بل يعطيكِ ما "ترصده" بصيرتكِ كحقيقة واقعة. المال "يجري" لمن يتوقف عن مراقبة تأخره، و"يتحجر" أمام من يحدق في قلته.
و سواء كان المال هدفك او غيره فكوني في حالة "سعة" دائمًا، وتذكري أن "الواسع" قد سخر لكِ كوناً مائعاً يستجيب لنداء قلبكِ قبل لسانكِ.
إن هذا المانيفستو الذي رحلنا فيه بين ذرات الكون وخبايا الوعي، يصبُّ في حقيقة واحدة كبرى: أنتِ لستِ بحاجة لتغيير "أهدافكِ"، بل أنتِ بحاجة لتغيير "المُراقب" الذي يسكن جيناتكِ. سواء كان ما تنشدينه هو وفرة مالية، أو فك تعلق عاطفي يمزق روحكِ، أو تحرراً من مراقبة هدف يرفض التجلي، فإن المعضلة ليست في "الشيء" الخارجي، بل في "الكارما الجينية" وصدمات الطفولة التي برمجت جهاز رصدكِ على وضعية "الانتظار والقلق" ؛ في معسكر التشافي الجيني، نحن لا نعالج النتائج، بل نذهب للمختبر الأول: حمضكِ النووي وسجلاتكِ الأكاشية. نحن نتحرر من "رصد الأجداد" الذي ورثناه، ذلك الرصد الذي يجعلكِ تكررين نفس قصص الخذلان أو الفقر او الفقد أو التعلق المرضي دون أن تدركي أنكِ لستِ أنتِ من يراقب، بل هي جروح أسلافكِ التي تنظر من خلال عينيكِ.
التسجيل في هذا المعسكر ليس مجرد خطوة نحو هدف محدد، بل هو "إعلان استقلال" لروحكِ من سجن الكارما العائلية وبرمجيات الطفولة التي جعلتكِ "تحدقين" في أهدافكِ حتى جمدتِها. نحن نستخدم "الممحاة الكمية" لننظف السجلات القديمة، ونفعل "القفزة الكمية" لننقلكِ من مدار "الضحية المُبرمجة" إلى مدار "الخالق الواعي". إنها دعوة لكل روح تشعر بالثقل، لكل من تعبت من مطاردة السراب، ولكل من تدرك أن هناك "شفرة سرية" في جيناتها تحتاج للفك. عندما يتشافى المُراقب الجيني بداخلكِ، ستسقط كل القيود تلقائياً؛ سيفك التعلق لأنكِ ستدركين اتصالكِ بـ "الواسع"، وسيتجلى المال لأنكِ ستتوقفين عن رصد الندرة الموروثة بكل مستوياتها ، وسينتهي صراع الأهداف لأنكِ ستصبحين أنتِ الهدف. انضمي إلينا لتكتبي قصتكِ الخاصة، بعيداً عن أقلام أجدادكِ، وبقوة الوعي الذي لا يحده زمان ولا مكان.
و تذكري إن واقعكِ لا ينتظر منكِ سعياً أكثر، بل ينتظر منكِ ’مراقباً‘ مختلفاً؛ ومقعدكِ في هذا المعسكر ليس مجرد رحلة للتشافي، بل هو اللحظة التي تقررين فيها التوقف عن رصد العالم بعيون أجدادكِ، لتبدئي رصده بعين ’الواسع‘ الذي لا يحد احتمالاته جرح ولا قيد، فمن يملك شفرة جيناته.. يملك مفاتيح كونه .




